ورد الشام

ورد الشام
عزيزي الزائر
هنالك فرق في التصفح كـ زائر والتصفح كــ صديق مسجل مع أننا أتحنا كل أقسام ورد الشام لكي يستفاد بها الجميع الزائرين
كثيرة المنتديات التي يسجل بها البعض ولكن قد يهمل دخولهم وتسجيلهم
هنا في ورد الشام
جرب أن تهتم وسوف نهتم

أجتماعي ثقافي أدبي ترفيهي


الرصافة

شاطر

المهندس جورج فارس رباحية
صديق فعال
صديق فعال

البلد : سوريا
ذكر
العمر : 75
عدد الرسائل : 170
العمل/الهواية : مهندس زراعي ، خبير محلّف لدى المحاكم ، المطالعة ، كتابة المقالات التاريخية ، الأدبية ، التراثية ، التصوير الضوئي
تاريخ التسجيل : 27/10/2011
مستوى النشاط : 4996
تم شكره : 24
الجدي

الرصافة

مُساهمة من طرف المهندس جورج فارس رباحية في الإثنين 19 أكتوبر 2015 - 22:29

الرصـــافة
سرجيوبوليس  ـ  رصافة هشام
المهندس جورج فارس رباحية
 تقع الرصافة في شمال البادية السورية جنوب غرب مدينة الرقة و تبعد عنها حوالي 65 كم و حوالي 25 كم عن الطريق العام حلب – الرقة إلى الجنوب الشرقي من مفرق مدينــــــة الثورة (الطبقة)، حيث يقع سد الفرات. ويمكن الوصول اليها أيضا عن طريق عام حمص ـ السلمية ، أو من حلب - الطريق العام باتجاه الرقة.  
 للرصافة  أهمية تجارية ، حيث كانت المدينة و منذ نشوئها في القرن التاسع قبل الميلاد مركز التقاء طرق التجارة و البضائع على درب القوافل و هو دور لعبته أيضاً بسبب مركز ســــوريا آنذاك في وسط العالم القديم. كانت حامية رومانية تقام فيها ضمن سلسلة حصــــــون من النظام الروماني الدفاعي الممتد حتى مسافة 30 كيلومترا بين الحصن والآخر والتي كانت تبدأ من مدينة تدمر مرورا بأرك والسخنة والطيبة والكوم والرصافة لتنتهي بمدينة سورا على نهر الفــــرات لتأمين خط سير القوافل التجارية القادمة من تدمر والذاهبة إليها وإلى دمشق وغيرها من المدن وصولا إلى البحر المتوسط                                                                              والأهمية الثانية هي الديانة المسيحية والذي بدأً أتباعها باعتناقها من القرن الثالث الميلادي،  حيث شهدت المدينة استشـــــهاد رجلين مؤمنين بالديانة المسيحية على أيدي السلطة الرومانية التي كانت حاكمة المدينة ، فأصبحت فيما بعد مركز حج ديني ، استقطب الحجاج إليه من كافة أنحاء العالم آنذاك و لعدة قرون.
أسماء المدينة :                                                                                       وردَ في نص آشوري يعود إلى العام 840 ق.م اسم "راصابا Rasappa" غير أنَّ انعدام الآثار الآشورية في المكان يستبعد مماهاة هذا الاسم مع الرصافة، وفي العصرين الهيلنستي والروماني كانت الرصــــافة ـ التي لم تكن سوى قلعة قليلة الشأن- في منطقـــة تنازع بين القوى الكبــــرى المتواجدة شرقي نهر الفرات (الفرتيين ثم الساسانيين من بعدهم) والقوى الكبرى المتواجدة غربي النهر (السلوقيين ثم الرومان من بعدهم)، ولذلك فقد أضحت مقرَّاً لحامية محصَّنة ما عتمت أن تبعت لدولة تدمر. وفي الدور البيزنطي أُطلِق عليها اسم سيرجيوبوليس (مدينة سيرجيوس) من اليونانية في القرن الرابع إكراماً لرفات القديسَيْن الشهيدَيْن سيرجيوس وباخوس اللذيْن رفضا تقديم الذبائح لآلهـة الرومان والتخلِّي عن المسيحية عام 305 م زمن الإمبراطور ديوكليسيانوس. وبعد ذلك بعدة سنوات اجتمع خمسة عشر مطراناً في الرصافة ( سيرجيوبوليس ) وقرروا تشييد كنيسة بازيليكية لحفظ رفات القديسين سيرجيوس وباخوس وجوليا وهذه الكنيسة - التي حُفِظت فيها الرفات-هي غير الكنيسة أو المارتيريون الذي كان قد بُنِي في الموضع الذي يُفترَض أن يكون القديس سيرجيوس أو (مار سركيس) قد نال شهادته فيه. وكذلك فإنَّ هذه الكنيسة هي غير البازيليك الكبرى المكرَّسة للصليب المقدس والتي نُقِلت إليها الرفات فيما بعد ، وسيأتي الحديث عن هذه الكنائس لاحقاً. ثم إنَّ الإمبراطور البيزنطي أناستازيوس الأول الذي حكمَ ما بين (491- 518) م ، أطلقَ اسمَه على المدينة فباتتْ تُعرَف – ولو لفترة وجيزة - بأناستازيوبوليس (أي مدينة أناستازيوس). ومنذ القرن الثامن أي بعد الفتح العربي درجَ عليها اسم " رصافة هشام " نسبة ً إلى الخليفة هشام بن عبد الملك (722-743م) الذي جعلها مقرَّاً لولايته. ثمة أسماء أخرى أخذتها المدينة ، ولو لفترات وجيزة عبر تاريخها أهمها " رصافاس " الذي وردَ في الوثائق الكنسيَّة اليونانية و" رطافا " و" تيترابيرجيون " كما سمَّاها العرب " الرضاب " و" الزوراء " و " لؤلؤة بادية الشام ".    
شهدت الرصافة ( سرجيوبوليس ) فترتي ازدهار :
الأولى في القرن السادس الميلادي أثناء الحكم المحلي لأمراء الغساسنة تحت مظلة بيزنطة ، وبخاصة أيام الحارث الثاني الغساني (529-569م) وابنه المنذر بن الحارث (569-581م)  لهم الفضل ترميم الأسوار ،وقد شادوا فيها الكثير من المباني كتشييد الكاتدرائية الكبرى في الرصافة ، وبنى ابنه المنذر بن الحارث خزانات المياه ودعم الأسوار. وبلغت المدينة في أواخر القرن الخامس وخلال القرن السادس الميلادي قمة الازدهار، وبنى المنذر بن الحارث قصرا خارج
أسوار مدينة الرصافة ، إلى الشمال الشرقي من بوابة المدينة الشمالية ،  وأبعاده 20 ×  17م ، وكان القصر مقراً لاجتماع القبائل ، ويعتقد أن القديس سرجيوس قد دفن فيه ونقل فيما بعد إلى كنيسة الشهادة ثم إلى حيث تقوم كاتدرائية سرجيوس حالياً ، ويقال إن المنذر بن جبله الغساني قد دفن في هذا القصر ، وفي صدر الحنية الرئيسية هناك كتابة بالأحرف اليونانية وتمنيات النصر تخليداً لذكرى انتصارات المنذر على اللخميين.
 الثانية: هي فترة هشام بن عبد الملك الذي سبقت الإشارة إليه.  مع دخول العرب بعد معركة اليرموك سنة 636 م شهدت الرصــــافة مرحلة ازدهار ثانية بعهد الخليفة هشــــام بن عبد الملك ( 724 ـ 743 ) م فأعاد بناء الرصـــافة فبنى فيها قصرين اكتشف أحدهما مؤخّراً فنُسِبَت إليه فيقال : ( رصافة هشام ) .وكانـت وفاته بالرصافة وقبره فيها .                      شهدت المدينة ازدهارا في الفترة الأموية وخاصة في فترة حكم الخليفة الموي هشام بن عبد الملك وتعايش سكان المدينة المسيحيون والمسلمون بصورة فريدة من نوعها
سركيس و التي كانت كنيسة الحجــــاج الرئيسية في المدينة.    وفي العهد العباسي، رفض العباسيون أن تكون أحد المراكز الأموية مركزاً لخلافتهم، لكن الدراسات بينت أنهم استخدموا المدينة لبضعة أعوام ، ويلاحظ أن العباسيين استخدموا القصور كمبانٍ سكنية ، وفي تلك الفترة ، أسس "عبد الرحمن الداخل"، "صقر قريش"، الخلافة الأموية في "الأندلس"، وهو حفيد "هشام بن عبد الملك"، وكان قد قضى شطراً طويلاً من حياته في "البادية" و"الرصافة"، وبنى في "الأندلس" قصراً، أطلق عليه اسم "قصر الرصافة"، وقد اكتشفه الآثاريون الأسبان منذ بضعة أعوام،
  المحطات الهامة في تاريخها: بعد سقوط دولة تدمر في آب من العام 273م، خرجت الرصافة -التي لم تكن آنذاك سوى قلعة تضمّ حامية عسكرية لمراقبة التخوم الفراتية، خرجت من فلك الدولة التدمرية. ويفيدنا أحد الأسماء اليونانية التي أُطلِقت على المكان "تيترابيجيون ύ" على أنَّ القلعة كانت متواضعة لها أربعة أبراج فقط (من اليونانية =أربعة، وύo=برج دفاعي) وبعد استلام روما زمام الأمور (بعد سقوط تدمر) أقامت فيها حامية رومانية عام 293م أيام ديوكلسيانوس. ثم إنها اكتسبت أهمية خاصة في القرن الرابع، أي بداية الدور البيزنطي بسبب استشهاد القديس سرجيوس فيها حيث أصبحت محجَّاً هاماً لمسيحيي سورية وجوارها، وبدأت منذ ذلك الحين تكتسب أهمية متزايدة ليس بسبب هذا وحسب بل لأنَّ أمراء الغساسنة الذين كانوا يأخذون على عاتقهم عبء حماية حدود الإمبراطورية البيزنطية ضد أبناء عمهم اللخميين المناذرة -وهم من تنوخ- الذين كانوا يلعبون الدور ذاتَه، ولكن لصالح الفرس ضد بيزنطة على الجانب الشرقي من نهر الفرات وعاصمتهم الحيرة. إذن كانت ثمرة هذا العبء الذي أخذه الغساسنة هو شكلٌ من الحكم الذاتي الذي منحتهم إياه بيزنطة، فكان أن ازدهرت نتيجة ذلك مناطق سيادتهم على طول شريط البادية السورية المحاذي للفرات الأوسط من جهة الغرب، وكانت عاصمتهم الجابية جنوب دمشق في منطقة حوران. ففي القرن السادس لمعَ الحارث الثاني وابنه المنذر وشهدت سيرجيوبوليس في أيامها حركة عمرانية واسعة النطاق على الصعيدين المدني والكنسي والشعبي والرسمي، وأصبحت الرصافة بذلك تنعم بالرفاه بفضل هبات الحجاج ونذورهم، مما أغرى كسرى الأول أنوشروان الساساني بغزوها عام 542م، ولكنه اكتفى بعد مفاوضات مضنية بأخذ الفدية وسلب كنوزها وثرواتها ومن بينها الصليب الذهبي المرصَّع بالجواهر الذي كان قد قدمته الإمبراطورة ثيوذورا وزوجها الإمبراطور جوستنيان الأول (527-565م) إلى ضريح سيرجيوس، وكان أن أدركَ جوستنيان خطورة الوضع وأمرَ بتحصين المدينة وترميم أسوارها وأرسلَ حامية عسكرية للدفاع عنها. وأتى المنذر بن الحارث بعد ذلك ليهتم بصهاريجها الكبيرة وبتشييد العديد من المباني ودور السكن. وفي العام 596م رممها الإمبراطور موريقيوس (موريس) كما أنشأ الغساسنة لهم في أواخر القرن السادس إيواناً خارج الأسوار هو إيوان المنذر بن الحارث الذي قامت الدولة بترميمه بهدف تحويله إلى متحف إقليمي. وفي عام 614 و616 اجتاحها كسرى الثاني أبرويز وخرَّبها، غير أنَّ الإمبراطور هيراقليوس انتصر عليه واستعاد المدينة وأخرجه من البلاد (628م)، وبعد الفتح العربي الإسلامي جرت بحكم بني أمية حيث اختارها هشام بن عبد الملك قاعدةً لحكمه. وقد عرفت الرصافة فترة ازدهار ثانية في زمن حكمه وكانت عامرة وآهلة بالسكان المسيحيين يمارسون شعائرهم وعباداتهم على أكمل وجه.
بقيت المدينة على مسيحيتها ردهاً طويلاً في ظلِّ الخلافة الأموية وما بعدها إلى أن غزاها هولاكو المغولي التتري عام 1260م فسلب َكنوزَها ودمَّرها، وبعد ذلك بأربع سنوات فقط جاء السلطان المملوكي بيبرس ليأتي على ما تبقَّى منها وأفرغها من سكَانها وأجلاهم إلى مدينتي حماه وسلمية. وهكذا خرجت الرصافة من التاريخ لتدخل عالم الآثار. جديرٌ بالذكر أنَّ الرصافة كانت أسقفية تابعة لميتروبوليتية هيرابوليس (منبج) التابعة للكرسي الأنطاكي، وظلت كذلك حتى مطلع القرن السادس حين رفَّعها الإمبراطور أناستازيوس الأول إلى ميتروبوليس (من اليونانية=أماً للمدن) بعد أن أعطاها اسمَه، فارتقت بذلك من مرتبة الأسقفية إلى المطرانية وباتت تتبع لها خمس أسقفيات على طول الفرات. ومن أشهر مطارنتها "قنديد" الذي تعرَّض له كسرى الأول بالإهانة لتأخره عن دفع الفدية.

أهم المعالم الباقية في الرصافة :
أولاً : كنائس الرصافة توضح الخارطة الأثرية لمدينة الرصافة/سيرجيوبوليس وجود سبع كنائس ضمن أسوارها، ولكنها ليست كلها بحالة جيدة من الحفظ. غير أنَّ أبرزها ثلاث كنائس سنتعرَّض لوصفها بشيء من التفصيل فيما يلي:                                                                       1-الكنيسة المعروفة باسم المارتيريون: كما أشرنا سابقاً، تعني كلمة مارتيريون اليونانية "بيت الشهداء" ولدينا ما يوازيها في العربية لفظة "المشهد" كأن نقول مثلاً "مشهد الحسين" وما إلى ذلك، وبالسريانية نقول بَسَؤدا=باسهدا أي بيت الشهداء. والمارتيريون في الرصافة كنيسة صغيرة غير أنها رائعة في زخارفها ونقوشها، وموضعها وسط الشطر الشمالي من المدينة تقريباً (انظر خارطة المدينة). واجهة الكنيسة تتقدمها ساحة مرتفعة ذات أعمدة، وأرضيتها مبلطة بالمرمر البلوري الأبيض، وقد شُيِّدت على الموضع الذي يُعتَقَد أنَّ القديس سيرجيوس نال شهادته فيه (؟). أبعاد كنيسة المارتيريون 42×34 متراً ومسقطها مستطيل ذو أجنحة على شكل قطاعات دائرية تشبه الانتفاخات القوسية باتجاه الخارج وهي متناظرة حول المحور الطولاني للكنيسة وتجعل المسقط أشبهَ بالصليب (انظر مسقط الكنيسة). الحنية الرئيسية في قدس الأقداس إلى جانبيها غرفة جنوبية (المارتيريون) وشماليه للشمامسة (ذياكونيكون) وكلتاهما مزودتان بحنيتين ضغيرتين جهة الشرق. وتمتاز القنطرة (أو القوس) فوق المذبح (أو قدس الأقداس) بنقوش غاية في الروعة والإتقان والذوق، ولا تقلُّ عنها روعةً، بل ربما تفوقت عليها تلك التي تتصدر غرفة الشمامسة. وتتكون بعض زخارفها من أغصان الكرمة تتداخل مع عناقيد العنب رمزاً للسيد المسيح الذي يقول "أنا الكرمة الحقيقة، وأبي الكرَّام" (يو 15: 1)، وأخرى تحمل شكل البيضة التي ترمز إلى الحياة والقيامة. وعلى تيجان الأعمدة زخارف شوك الأكانثوس التي ترمز إلى آلام السيد المسيح. وتذكِّرنا هذه الزخارف بما نراه على أقواس حنيات البازيليك الشرقية في كنيسة مار سمعان العمودي الكبرى المصلبة الشكل. أعمدة الكنيسة قطعة واحدة ترتكز على قواعد ضخمة. كانت جدران الكنيسة مكسوَّة ببلاط من المرمر الوردي الذي ربما رَمَزَ إلى دم الشهداء (؟) وكذلك كانت أرضها مبلطة بهذا المرمر.

2-الكنيسة التي كانت تضمُّ رفات القديس سيرجيوس : وتقع هذه الكنيسة إلى الجنوب من كنيسة المارتيريون، والرائج أنها كانت تحوي على رفات القديسَيْن سيرجيوس وباخوس وجوليا. ولسوء الطالع فإنه لم يبقَ الشيء الكثير من هذه الكنيسة اليوم. وما نشاهده منها هو جزء من الحنية الوسط والزاويتين الجنوبية الشرقية والجنوبية الغربية.                                                                                                3-الكنيسة الكبرى أو كنيسة الصليب المقدس : وكانت تُعرَف خطأً -وبدون أساس وثائقي- بكنيسة مار سركيس وهي بيت القصيد وواسطة العقد أو لؤلؤة التاج في جولتنا هذه. ولحسن الحظ فإنَّ الأجزاء الباقية منها تكفي لإعطائنا تصوراً شبهَ كامل عما كانت عليه في الأصل. لذلك سنتوسع في وصفها لا كما فعلنا بالنسبة لغيرها. تقع الكنيسة الكبرى قرب الزاوية الجنوبية الشرقية ضمن الأسوار، وهي بازيليكية الطراز بمعنى أنَّ مسطحها يتكوَّن من ثلاثة أسواق: وسطى عريضة وسقفها جملوني مرتفع، على جانبيها سوقان أقلّ عرضاً وارتفاعاً. وقد بُنيت في أواسط القرن السادس كما تفيدنا اللوحة التأسيسية المكتوبة باليونانية نثبت فيما يلي ترجمتها إلى اللغة العربية: "إبراهيم برحمة الله أسقـ(ف) سيرجيوبـ(وليس) شيَّد(ها) إكراماً للصليب المقدَّس لكي يصبحَ مستحقاً رحمة الله. الإنذ(يقتي) السابع في أيار عام 870" (الأجزاء الموضوعة ضمن أقواس هي إكمالاتنا للاختصارات التي لجأ إليها كاتب اللوحة) ويعادل هذا التاريخ عام 559م ضمن فترة حكم الإمبراطور جوستنيان وزوجته الإمبراطورة ثيوذورا، وكان المنذر بن الحارث فيلاركاً (من اليونانية فيلي آرخون=رئيساً للعشيرة) أي ملكاً محلياً بعد والده الحارث الثاني. الجدران الباقية من الكنيسة ما زالت ترتفع حتى علوّ 15 متراً إلى اليوم. صحن الكنيسة مكوُّن من ثلاثة أسواق -كما ذكرنا- يفصل بينهما صفان من القناطر التي تقوم على ركائز. وسنختصر الوصف الكلامي لهندسة الكنيسة من الداخل مستعيضين عنه بالمنظور المقطوع (أو المُشَرَّح) الذي وضعه عالم الآثار تشالنكو يعيد فيه إنشاء الكنيسة تخيلياً، فهذا من شأنه إعطاء صورة محسوسة للشكل العام لبناء الكنيسة. ولكن –ومع ذلك- فإنه لا بد من الملاحظات الهامة التالية التي سنسلط الضوء على الخصائص التي تتفرد فيها عمارة هذه الكنيسة عن سواها:                                                  أ‌- أقواس القناطر التي عادة ما تكون مبنية من دور حجري واحد، نجدها مبنية من دورين أحدهما بظهر الآخر توخياً للمتانة.                                                                         ب‌- ومع ذلك فإنَّه بالنظر إلى الفتحات (أو المجازات) الكبيرة لهذه القناطر (13 متراً بين مركز الركيزة ومركز التي تليها) قام المعمار –في زمنٍ لاحق- بتدعيم هذه القناطر الكبيرة بتجزئة المجاز إلى نصفين اجتازهما بقنطرتين (أو قوسين) صغيرتين، فاقتضى ذلك إضافة ثلاثة أعمدة بين كل ركيزتين متتاليتن ليقوم فوقهما القوسان أو القنطرتان الجزئيتان. ثم تمَّت عملية إغلاق الفراغات المتشكِّلة بين أعلى هذه الأقواس الصغيرة وأسفل القناطر الكبيرة الأصلية. وقد تمَّ هذا في مرحلة لاحقة على ما يبدو خشية أن تتصدع القناطر الكبيرة.                                                                            ج‌- الشكل الفراغي الظاهر في وسط صحن الكنيسة هو ما يُعرَف بالبيما (من اليونانية أو بيما أو بيماتوس) وتعني حرفياً قوس الحكمة أو قاعة المحكمة، وفي مدلول آخر "الموطئ". وتظهر هذه البيما في الكثير من كنائس المدن المنسيَّة في الشمال السوري وقد اجتهد البعض في تفسير وظيفة هذه المنشأة داخل الكنيسة وتباينت آراؤهم حولها. ففي حين يرى البعض أنَّ هذه المنشأة كانت تشكِّل ركناً لزومياً تدخل وظيفته في صلب سيناريو الليتورجيات لكنيسة بعينها دون غيرها من كافة الكنائس الأخرى، وبالتالي فإنَّ البيما تشكل "العلامة الفارقة" لهذه الطائفة حصراً، فإنَّ البعض الآخر يرى فيها عرشاً للأسقف ومعاونيه من خُدَّام الكنيسة تشبُّهاً بالمسيح وتلاميذه، وللسماح لجمهور المصلين المشاركة في الصلوات والقداديس. وهناك مَنْ يعتقد أنها كانت مجرد مكان لجلوس علية القوم أو الأعيان، ولا متسع هنا للخوض في هذه المسألة. ونذكر هنا أنَّ البيما موجودة في كنيسة قلب لوزة وكنيسة كركبيزة وإحدى كنائس دارقيتا على سبيل المثال لا الحصر.                                                                                                           د‌- قدس الأقداس يتكون من ثلاثة أقسام هي بيت القدس في الوسط، وهو الأكبر، مع حَنية ذات ثلاث نوافذ، وإلى جهة الجنوب من غرفة المارتيريون حيث تُحفَظ ذخيرة الشهداء Reliquarium وإلى جهة الشمال غرفة الشمامسة أو الذياكونيكون (من اليونانية=مكان الشمامسة أو خدام الكنيسة) ولكلٍّ من هاتين الغرفتين ثلاثُ نوافذ على الجدار الشرقي للكنيسة وتنفتح كل منها بثلاث قناطر على صحن الكنيسة.                                                        هـ- الأعمدة منحوتة من المرمر وتيجانها كورنثية تعلوها كتابات يونانية.                            و- يُظْهِر منظور تشالنكو أنَّ الكنيسة كان لها أيقونسطاس أو شيءٌ من هذا القبيل. ويَظهر هذا الحاجز على المسقط أيضاً.                                                                                    ز‌- تشير بقايا الجدرانيات والكلسة على الجدار الجنوبي للكنيسة أنها كانت مزينة بالرسوم الجدرانية. ح‌- تشير بعض المصادر إلى أنَّ رفات مار سركيس، أو جزءاً منها كانت قد نُقِلت من الكنيسة التي تضمُّ رفاتَه والتي تحدثنا عنها بإيجاز أعلاه، إلى قدس الأقداس في الكنيسة الكبرى. وكلمة أخيرة عن كنز الرصافة الذي اكتشَفتـْه عام 1982 بعثة ٌ ألمانية في غرفة ملحَقة بالكنيسة الكبرى يعود تاريخه إلى أواسط القرن الحادي عشر ويضمُّ خمس أوانٍ فضية كنائسية. وقد تمَّت عمليات ترميمها ومعالجتها في ألمانيا ثم أُعيدت إلى المتحف الوطني بدمشق عام 1988، وكانت مفرداته كأساً وقاعدة، كأس منفردة وطاسة (صينية صغيرة) لها قاعدة ومبخرة ذات سلاسل وكلها من الفضة وجزء منها مُذهَّب أو مخطط بالأسود أو منقوش باللون النيلي، الكأس تحيط بفوهته كتابة سريانية مكتوبة بالخط الإسطرنجيلي، الصينية عليها كتابات سريانية ويونانية وعربية. إضافةً إلى صور للسيد المسيح وللسيدة العذراء. ويعتقد السيد تيلو أولبرت Thilo Ulbert الآثاري الألماني الذي اكتشف الكنز "أنَّ الأواني صُنِعت في الشرق وفي مركز ديني معروف كإيديسا (الرُّها) وأنَّ بعضَ الملوك الصليبيين قد قدَّمه إلى كنيسة الرصافة كنذر عليه".    
ثانياً :  قصر هشام هَجَرَ هشام دمشق لانتشار وباء الطاعون فيها وأقام في الرصافة التي جعلها مقرَّ حُكمه، وفيها ابتنى لنفسه قصراً فخماً على مسافة خمسين متراً من البازيليك الكبرى أبعاده 80×74 متراً. وهو مبنيّ بالآجرّ المجفف، وتغطي جدرانَه طبقة ٌ كلسية بيضاء، بابه متَّجهٌ نحو الجنوب، يحيط به برجان صغيران نصف مستديرين، وقد قامت بالكشف عنه بعثة ألمانية قبيل العام 1965. 4-قصر المنذر: وقد اختار المنذر بن الحارث لنفسه موقعَ هذا القصر خارج السور الشمالي للمدينة. ومسقطه شبه مربَّع أبعاده 20×17 متراً فقط مبني على طراز الكنائس ذات السطح على شكل صليب إغريقي وتعلو وسطه قبَّة كبيرة وأربع قبب صغيرة موزَّعة على زواياه. وفي صدره حنية، ومدخله يشبه النارثكس في الكنائس أيضاً إلى الدرجة التي ظنَّ معها الآثاري والعلاَّمة الأميركي "هاورد بطلر" أنه كنيسة. وقد بُنِي هذا القصر بالحجر البلوري الجميل في النصف الثاني من القرن السادس، ويعتقد أن المكان كان موضع دفن رفات القديس سيرجيوس، ثمَّ إنَّ الرفات نُقِلت إلى الكنيسة التي ضمت الرفات فيما بعد داخل الأسوار إلى أن انتهت أخيراً إلى الكاتدرائية التي تحمل اسم "الصليب المقدس" وفي صدر الحنية كتابة يونانية تتمنى النصر للملك المنذر    
ثالثاً : خزانات المياه   وهي من لزوميات الحياة الطبيعية في البادية، بل ومن أمسّ الحاجات أثناء الحصار. ومن هنا جاءت العناية الخاصة بها. وتتشابه الرصافة من هذه الناحية مع الأندرين التي امتازت بصهاريجها في جب الجراح وإحداها "تأسس في الحادي عشر من تموز لعام 409م" حسب كتابة تأسيسية مشوَّهة قمنا بقراءتها لمديرية آثار حمص عام 2002. وتقع صهاريج الرصافة في الزاوية الجنوبية الغربية من سطح المدينة، وثمة خزانان كبيران آخران خارج الأسوار، أحدهما في الجهة الشمالية والثاني وهو الأضخم من الجهة الغربية. وتوصل قناة مياه هذا الأخير إلى شبكة الأقنية الممددة تحت أرض المدينة داخل الأسوار لتدعم صهاريجها بمزيد من المياه. والأقنية تعمل على مبدأ الصرف كما هو الحال في الأقنية المعروفة بالرومانية. وتبلغ الطاقة التخزينية المقدرة لمجموعة الصهاريج ضمن المدينة بأكثر من 22.000 متراً مكعباً من المياه، هذا غير الخزانات التي هي خارج الأسوار، كما تقدَّر مساحة الحوض الساكب الذي يغذي هذه الصهاريج بـ 3 كم مربع من داخل المدينة وخارجها.  
رابعاً : الأسوار والبوابات يحيط بالرقعة شبه المنحرفة للمدينة سورٌ مازالت أجزاءٌ هامة وكاملة منه ماثلةً حتى اليوم، ويبلغ طوله الإجمالي 1850 متراً، عند زواياه الأربع أبراج دفاعية أسطوانية، والسور مبني على طبقتين بارتفاع يتجاوز العشرة أمتار وبسماكة ثلاثة أمتار، ويحدد مساحة المدينة داخله بما يزيد قليلاً عن 20 هيكتاراً، والسور والأبراج مجهزة بكل المستلزمات المعمارية للدفاع، ومن بين بوابات المدينة الأربع تبرز على نحوٍ خاص البوابة الشمالية بجمال أقواسها وزخرفتها ودقة الصنع، كل ذلك بالمرمر اللماع الملون المموَّج. والبوابة تتكون من ثلاثة مداخل وبرجين دفاعيين وتعود إلى العام  524م .  
خامسأ : الخان الإسلامي على الرغم من أن الرصافة مكان حج مسيحي مهم فقد سكنت المدينة من المسلمين مع أخوتهم من المسيحيين العرب من بني غسان و شهدت المدينة إزدهارا تجاريا كبيرا بسبب الموقع الجغرافي بين بلاد الشام و العراق و بسبب إزدهار حركة الحجيج للمدينة
يقع الخان على الطريق الرئيسي الذي يبدأ بالبوابة الشمالية و يمر أمام الكنيسة  .
لا يزال الخان بحاجة لتنقيب أكثر لأن الجزء الكبير منه مازال تحت الأنقاض و الردم الذي حصل في القرون السابقة للخان بوابة للغرب و هو مربع الشكل له سور عال يصل إلى أكثر من ستة أمتار و على جانبي المدخل هنالك حجرتان لهما سقف مقوس و كانتا مخصصتان للتجار  
سادساً : الجامع يعتبر الجامع ثاني بناء إسلامي بعد الخان و كلاهما يعودان للقرن الثامن الميلادي، أي الفترة الأموية.فعند الخروج من الكنيسة الرئيسية يصل الزائر للجامع الذي يلاصق الكنيسة من جهة الشمال لا تزال هنالك بقايا المنبر والمحراب والعمدة وتدل هذه الآثار على التعايش الديني الذي كان في المدينة                                                                   تعرضت المدينة لعدة كوارث طبيعية في القرن السابع والعاشر والحادي عشر وغزوات خارجية كغزو المغول على المدينة عام 1258 فدمروها  وهاجر سكانها إلى السلمية و المناطق الآخرى و أخذوا معهم ما غلا ثمنــــه و خف وزنه                                                   أصبحت المدينة عرضة لعوامل الريح و العوامل الجوية و شــــهدت لاحقاً أيضاً زلازل في القرن التاسع عشر.  
  وقد قامت المديرية العامة للآثار والمتاحف بعمليات ترميم واســـعة لآثار مدينة الرصافة، شملت الكنيسة الكبيرة والبوابات والسور ، وما زالت المدينة بحاجة إلى عمليات ترميم أخرى في مواقع متعددة من السور والأبراج ، ويقوم المعهد الأثري الألماني بدمشق بالتعاون مع دائرة آثار الرقة بتنقيبات أثرية في المدينة منذ عــــام 1950.  
سابعاً : بين رصافة الشام ورصافة الأندلس                                                           أسهم الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك في عمرانها وازدهارها فعُرفت بإسم: (رصافة هشام)، وعلى حدود الرصافة نجا الأمير عبد الرحمن الداخل من الموت، لأنه اختبأ عند جماعة من الأعراب على ضفة نهر الفرات بشمال سورية، ثم انتقل إلى دمشق قبل أن يتوجه للأندلس وهو في التاسعة عشرة من العمر، حيث أسس دولة جديدة للأمويين فيها.
أما رصافة الأندلس فبناها صقر قريش (الأمير عبد الرحمن الداخل) بضاحية قرطبة وجعلها مقرًا صيفيًا له لارتفاعها عن قرطبة، وإطلالتها على نهر الوادي الكبير، تخليدًا لذكرى جده (هشام بن عبد الملك) باني رصافة سورية، ولم يبق لها أثر في القرن العشرين، فبنت الحكومة الأسبانية في موضعها فندقًا سياحيًا كبيرًا، أطلقت عليه اسم : (الرصافة)

حاشية : تخليدا لذكرى القديسين سركيس وباخوس ، تم بناء كنيسة باسميهما حوالي عام 325 م على أنقاض معبد وثني في أعلى قمة ببلدة ملعولا  وحاليا بني قربها فندق سفير معلولا .
تُعَيّد للقديسين سركيس وباخوس في اليوم السابع من شهر تشرين الأول من كل عام
5/5/2015                                             المهندس جورج فارس رباحية

المصــــــادر والمـــراجع :
ــ السواعي الكبير : القدس عام 1886
ــ المنجد في اللغة والأعلام : بيروت 1973
ــ سرجيو بوليس ورصافة هشام : للباحث المهندس ملاتيوس جبرائيل جغنون
ــ نشرات وزارة السياحة السورية
ــ مواقع على الإنترنت :
avatar
waell
مدير الموقع
مدير الموقع

البلد : الشام
ذكر
العمر : 58
صديقة مقربة صديقة مقربة : بنت القدس
صديقة مقربة صديقة مقربة : لمووووش
صديقة صديقة : مينيرفا
إبن عم إبن عم : Dr.abdo
إبنة عم إبنة عم : ام التوت
إبنة أخ إبنة أخ : سمورة
إبنة أخت إبنة أخت : بـ الشام ـــنـت
أخت أخت : yasmin
عدد الرسائل : 29351
العمل/الهواية : بالديكورات واللوحات الشرقية
تاريخ التسجيل : 27/09/2007
مستوى النشاط : 60623
تم شكره : 59
الجوزاء

رد: الرصافة

مُساهمة من طرف waell في الثلاثاء 20 أكتوبر 2015 - 4:05

يسعد صباح أستاذنا الكبير
ويسلم إيديك   كم نحن بحاجة لهذه المواضيع في هذه الظروف حيث يندمر التاريخ السوري


-----------------------------------------





المهندس جورج فارس رباحية
صديق فعال
صديق فعال

البلد : سوريا
ذكر
العمر : 75
عدد الرسائل : 170
العمل/الهواية : مهندس زراعي ، خبير محلّف لدى المحاكم ، المطالعة ، كتابة المقالات التاريخية ، الأدبية ، التراثية ، التصوير الضوئي
تاريخ التسجيل : 27/10/2011
مستوى النشاط : 4996
تم شكره : 24
الجدي

رد على موضوع الرصافة

مُساهمة من طرف المهندس جورج فارس رباحية في الجمعة 23 أكتوبر 2015 - 22:20

الشكر الجزيل استاذ وائل لمرور أناملك على الموضوع

    الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين 11 ديسمبر 2017 - 5:20